الشيخ المحمودي

49

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

صانعها للعقول « 44 » ، وبها احتجب عن الرّؤية « 45 » ، وإليها تحاكم الأوهام ، وفيها أثبتت العبرة ، ومنها أنيط الدّليل [ و ] بالعقول يعتقد التّصديق باللّه ، وبالإقرار يكون الإيمان . لا دين إلّا بمعرفة ، ولا معرفة إلّا بتصديق ، ولا تصديق إلّا بتجريد التّوحيد ، ولا توحيد إلّا بالإخلاص ، ولا إخلاص مع التّشبيه ، ولا نفي مع إثبات الصّفات ، ولا تجريد إلّا باستقصاء النّفي كلّه . إثبات بعض التّشبيه يوجب الكلّ ولا يستوجب كلّ التّوحيد ببعض النّفي دون الكلّ . والإقرار نفي الإنكار ، ولا ينال الإخلاص بشيء من الإنكار ، كلّ موجود في الخلق لا يوجد في خالقه ، وكلّ ما يمكن فيه يمتنع في صانعه ، لا تجري عليه الحركة ، ولا يمكن فيه التّجزئة ولا الاتّصال ، وكيف يجري عليه ما هو أجراه ؟ ويعود عليه ما هو ابتداء ؟ ويحدث فيه ما هو أحدثه ؟ إذا لتفاوتت ذاته ، ولتجزّأ كنهه ، ولا متنع من الأزل معناه « 46 » ولما كان للأزل

--> ( 44 ) أي بهذه الآلات والأدوات التي هي حواسنا ومشاعرنا وبخلقه إياها ، وتصويره لنا تجلّى للعقول وعرف ، ولو لم يخلقها لم يعرف . ( 45 ) أي بها استنبطنا استحالة كونه تعالى مرئيا بالعيون ، لأن بالمشاعر والحواس كملت العقول ، وبالعقول استفدنا على أنه تعالى لا تصح رؤيته ، فإذن بخلقه الآلات والأدوات لنا عرفناه عقلا . وفي المختار : ( 181 ) من النهج : « وبها امتنع عن نظر العيون . . . » . ( 46 ) قوله عليه السّلام : « وإذا لتفاوتت ذاته » أي لاختلفت ذاته باختلاف الأعراض ولتجزأت حقيقته . وقوله : « لامتنع من الأزل معناه » أي لو كان قابلا للحركة والسكون لكان جسما ممكنا لذاته ، فكان موصوفا بالحدوث الذاتي ، ولم يكن موصوفا ومستحقا للأزلية بذاته ، فيبطل من الأزلية معناه ، وهذا وما بعده كالتعليل لما سبق .